الصالحي الشامي

455

سبل الهدى والرشاد

كفار الأمم وأنبيائها بكل ما أمكنها ، واختلقته مما نص الله تعالى عليه أو نقلته إلينا الرواة ، ولم نجد في شئ من ذلك تعييرا لواحد منهم برفضه آلهته وتقريعه بذمه بترك ما كان قد جامعهم عليه . ولو كان هذا لكانوا بذلك مبادرين ، وبتلونه في معبوده محتجين ، ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل أفظع وأقطع في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركهم آلهتهم وما كان يعبد آباؤهم من قبل ، ففي إطباقهم على الاعراض عنه دليل على أنهم لم يجدوا سبيلا إليه ، إذ لو كان لنقل وما سكتوا عنه ، كما لم يسكتوا عن تحويل القبلة ، وقالوا : ( ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) [ البقرة 142 ] كما حكاه الله تعالى عنهم ، وقد استدل القاضي القشيري على تنزيههم عن هذا بقوله تعالى : ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ) [ الأحزاب 7 ] وبقوله ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ) إلى قوله : ( لتؤمنن به ولتنصرنه ) [ آل عمران 81 ] قال : فطهره الله تعالى في الميثاق وبعيد أن يأخذ منه الميثاق قبل خلقه ، ثم أخذ ميثاق النبيين بالايمان به ونصره قبل مولده بدهور ، ويجوز عليه الشرك أو غيره من الذنوب هذا ما لا يجوزه إلا ملحد . هذا معنى كلامه . وكيف يكون ذلك وقد أتاه جبرائيل - عليه السلام - وشق قلبه صغيرا واستخرج منه علقة ، وقال : هذا حظ الشيطان منك ، ثم غسله وملاه حكمة وإيمانا [ كما تظاهر أخبار المبدأ ] وكيف يكون نبيا وآدم بين الروح والجسد ، ثم يجوز عليه شئ من النقائص التي نزه الله تعالى عنها أنبياءه ، وهذا ما لا يقوله إلا جاهل أو معاند . فصل قال القاضي : واختلف في عصمتهم من المعاصي قبل النبوة ، فمنعها قوم ، وجوزها قوم آخرون . والصحيح إن شاء الله تعالى تنزيههم من كل عيب ، وعصمتهم من كل ما يوجب الريب ، فكيف والمسألة تصورها كالممتنع ، فإن المعاصي والنواهي إنما تكون بعد تقرر الشرع ، ثم ذكر اختلاف الناس في حال النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يوحى إليه هل كان متبعا لشرع قبله أم لا ؟ وقد تقدم الكلام على ذلك مبسوطا في أبواب عبادته - صلى الله عليه وسلم - . ثم قال : هذا حكم ما يكون المخالفة فيه من الأعمال عن قصد ، وهو ما يسمى معصية ، ويدخل تحت التكليف ، ثم ذكر الكلام على عصمتهم من السهو والنسيان .